الأربعاء، مارس 08، 2006

السجن السياسي في تونس. بين الخيارات الأمنية وأحلام الإنفراج

الجزء الأول



بقلم محمد الفاضل


باسم الله الرحمان الرحيم

إن حلفاء نظام ابن علي الإستراتيجيين و حلفائه الموضوعيين حين يجعلون من السجن السياسي منحة يجب عدم مكافأة الإسلاميين بها، ويكتفون بالشفقة الزائفة على إنسانيتهم المهدورة، يدركون مع ذلك أن السنين الخمسة عشر التي اُهدرت فيها إنسانية الإسلاميين في السجون وخارجها كان نظام ابن علي، على مرأى منهم ومسمع، قد أهدر فيها أيضاً كرامة التونسيين جميعهم وإنتهك حقوقهم الإنسانية وصحر حياتهم السياسية.كما أنهم يدركون، لا محالة، أن عشرات الألاف من السجناء الإسلاميين( نحو 25ألف إسلامي أدخل السجن بين 1990 و 2005) جاؤوا من خلفية ثقافية وتاريخية لا تزال برغم كل شيء تنبض بالحياة.. وأياً كان رأي الخصوم، في مشاريع الإسلاميين فإنهم، قبل إغلاق جامع الزيتونة وبعده، كانوا لا يترددون في مواجهة مشاريع التغريب و في دفع التضحيات مقابل خيارات، لهم في أدبياتهم ما يأصلها و في وطنيتهم ما يشهد لها. و بكل حال، لا يزال الإسلاميون يمثلون خياراً منافساً يجد دوماً في الاستجابة الجماهيرية لهم ما يبرر وجودهم حتى ولو ظلوا لسنين، رهائن السجون المعتمة وأن السجن السياسي ليس بدعة في تاريخهم، ليمنحهم المخلفون شرفه، وأن تجربتهم التاريخية كانت بتضحياتهم، ترفع دوماً من سقف أمالهم وآمال شركائهم السياسيين وتصنع بمحنتهم جذوة نضال لأجيال لاحقة.

المقدمة

لا يزال ملف السجناء السياسين في تونس من أكثر الملفات السياسية إثارة في أوساط التونسيين وعموم المنشغلين بشؤونها الداخلية، وعلى الرغم من أن ملفات سياسية واقتصادية واجتماعية أخرى، تحتل الصدارة أيضا في تفكير العاملين في الحقل السياسي التونسي والمهتمين بمجرياته، إلا أن ملف السجناء السياسيين بتونس بخصوصياته الجامعة ظل يستأثر بعلامة فارقة ميزت التعاطي السياسي لنظام السابع من نوفمبر مع مختلف تكوينات الحياة المجتمعية في البلاد منذ أول التسعينات.

ومع الأهمية المصيرية التي تحتلها قضايا أخرى تلامس الحياة النابضة للمجتمع التونسي، ومع أن قضايا حق التعبير والإعلام من جهة وحق التنظم الجمعياتي والحزبي من جهة ثانية، ومع الضرورات الملحة التي تستدعيها الحاجة إلى مجابهة فساد الدولة والقائمين عليها من جهة ثالثة، فإنه ليس من قبيل المفاضلة في شيء و لا من باب المزايدات التي لم تعد تجود لأي أحد بمغنم بعد أن جفت ضراع السياسة طوال السنين العجاف المنقضية، أن يكون تقديرنا لقضية المساجين السياسين بمقام القضية الأم بالنظر إلى غيرها من القضايا التي تشغل الساحة التونسية، فإذا كانت قضايا حق التعبير والتنظم على أهميتها الحيوية أسٌ التنمية السياسية والإجتماعية و الاقتصادية و الإنسانية في تونس كما ينشدها الأحرار، فإن ملف السجناء السياسيين يختزل أكثر تلك القضايا وكل تلك الآمال التي يرفع لواءها مناضلو حركة الإصلاح الديمقراطي.


السجن السياسي و تعميم أنظمته المجتمعية في النسخة التونسية

لقد نجحت دولة السابع من نوفمبر في أن تفسَخ جميع مكونات المجتمع المدني التي راكمتها تجارب التونسيين في علاقاتها الجدالية سواء في مواجهة الاستعمار أوفي مجابهة دولة الاستبداد البورقيبي سابقاً ومع نجاحها ذاك، استطاعت خلال ما يزيد عن العقد ونصف العقد أن تستدرج الجميع للإيقاع بجيل كامل في دوامة جلد الذات السياسية وإكراهها على التنكر لتاريخها في مجابهة الاستبداد ودفعها لنسيان ذاكرتها الوطنية.وهي حين تفعل ذلك فإنها تعمل من أجل أن يتحلل التاريخ السياسي التونسي المعاصر إلى دراما أبدية كتلك التي جاء ت بها مسوخ التغيير منذ1987 بعدما وضعت إبتداءاً من التسعينات كل أنواع المحاذير أمام الكتاب والقصيدة والرواية والصحيفة والصورة والرأي لتنتهي الحياة الفكرية والإبداعية و الصحفية والإعلامية في أيدي المأجورين والمنتفعين يقررون أينما شاءوا خطوطها الحمر، فحين يتحلل التاريخ إذن على ذاك النحو ستكون السجون خيار من أبت نفسه إلا أن يمسك بالقلم ويصدع بالكلمة وينثر الفكرة. وحين يتحلل التاريخ السياسي على ذاك النحو أيضا بحيث يرتد حق التنظم ألجمعياتي والحزبي إلى الحق في بعث أحزاب وجمعيات وهيأت تتناسلها أجهزة الأمن وتصنع رجالها وكوادرها في مراكز التكوين بوزارة الداخلية، وتملأ بالمال العام جيوبهم، فعلى الشريف المناضل من رجال السياسة إن رام خوض غمار العمل النضالي بعيدا عن أخلاق اللزمة السياسية وسلوك المقاولات، أن لا يكون السجن، في الوقت الحاضر على الأقل، أخر خياراته المفتوحة.

إن مسألة السجن السياسي هي أم قضايا الشأن السياسي التونسي في الوقت الراهن لكون السجن لايُعتبر فقط أداة تهديد ضد الفاعلين في المجتمع أفراداً أو جماعات ممن أخذوا على عاتقهم مواجهة فساد الدولة واستبدادها، بل لأن السجن صار عنواناً للإقصاء السياسي والاجتماعي تحت أكثر من مسمى:

  • فبإسم الأحكام القضائية الصادرة عن وزارة العدل: يتم الإقـصاء داخل السجن مع سجناء الحق العام أو في العزلة السجنية.



  • وباسم المراقبة الإدارية والأمنية الصادرة عن وزارتي العدل والداخلية: يتم إقـصاء السجناء المُسرحين أوالمغضوب عليهم بعزلهم عن الناس داخل المجتمع ومنعهم من استعادة وظائفهم السابقة ودفعهم، إن سُمح لهم، إلى العمل في الأشغال المرهقة و لساعات طوال في اليوم من أجل أجور زهيدة، ناهيك عن سحب جوازات السفر وبطاقات الهوية ومراقبة تحركاتهم وتحركات ذويهم.


  • وباسم الوطنية المحتكرة لصالح حزب الدولة تنـشّط دولة الحزب، الدعاية الإعلامية المغرضة: ليتم دفع البقية الباقية من معارضيها إلى اللجوء خارج البلاد والعيش القسري بعيداً عن نبض الوطن، ثم يجري تخوينهم وتجريدهم من وطنيتهم.

إن الخصوصية الجامعة التي تجعل مسألة السجن السياسي القضية الأم للقضايا التي تشغل التونسيين، هي أن مؤسسة السجن بما هي مؤسسة عقابية لا تستهدف بالعقاب السجين الفرد بحد ذاته فقط ولا فاعل الجرم بصفته البشرية وحسب وإنما في واقع الأمر تجري معاقبة ذاك السياسي بما هو: هوية عاقلة وكيان مجتمعي وفعل للحق.فتجريم السياسي منهج إقصائي إن كان يجد في السجن أكثر الصيغ الحسية بداءة، فإن إرادة الاستبداد قادرة على أن تجعل له أنظمة بالغة التجريد و المرونة، تشارك الفرد والجماعة معاشرتهما بإكراهات ناعمة ،لاتلبث الطباع البشرية أن تتطبع عليها بعد التبلد.وهكذا حين تصبح الصحف التونسية جميعها نسخة واحدة والنشرة الإخبارية نصوص مكرورة وبطاقة الإنخرط بالتجمع الدستوري الديمقراطي بطاقة ائتمان وأمان لمن لاذ بنفسه من التونسيين عن منازلة الحاكم، وحين ينتهي بهم قلق الوجود إلى الوقوف عند إستهلاك الجنس و المخدرات وقتل الوقت قتلاً متعمداً وحين ترتد أمواج الخيبة على جيل تربى على خرافة التغيير فلا يُـفلت هجرته خفر السواحل ولا تُسعفه قوارب الموت وحين تشـدد الحراسة على الناس في الحي والمؤسسة ودور العبادة ومقرات الجمعيات ومقرات الأحزاب والمعاهد والجامعات وتكثّـف المراقبة على المقابلات الاجتماعية والعائلية و الاتصالات الهاتفية والفضاءات الافتراضية.فقد صار السجن السياسي حينها نظاماً للمنع والتحجير والإقصاء مُعمماً على جميع منا شط الحياة.

وحين نعقد مقارنة بين فضاءين:الأول فضاء السجن والثاني فضاء المجتمع. فإن الملاحظات العامة التالية مع كونها متعجلة تظل كافية لترسم ملامح النظام السجني الذي قامت الأجهزة الأمنية لنظام ابن علي بتعميمه على مناحي الحياة الاجتماعية والسياسية جميعها:


  • فكما يتوزع المقيمون في السجون بين سجناء الانتماء(المنتمون لحركة النهضة الإسلامية) والمشار دوماً إلى معاملاتهم وملفاتهم بحرفي:( ص.خ )أي صبغة خاصة و سجناء الحق العام، فإن الحياة السياسية خارجها قد فرزت التونسيين إلى فئة الإنتماء لشريحة المضطهدين من عموم التونسيين و المناضلين السياسين وعوائلهم بما هم في نظر أجهزة الرقابة الأمنية مواطنون من ذوي الصبغة الخاصة من جهة وبين فئة ثانية من المواطنين ممن لا تزال "عقائد الخبز" تحكم وعيهم وتستسلم حياتهم لزيفها.


  • وكما يعاني سجناء الصبغة الخاصة في داخل السجون من الإهمال الصحي والعقاب بالعُـزلة الانفرادية أو المنع من الزيارة أو الترحيل إلى سجون يشق على أهاليهم زيارتهم بانتظام،و يمنع على سجناء الحق العام(إلى حدود 1998) الاتصال أوالإختلاط بهم وكان وجود بعض سجناء الصبغة الخاصة في الغرفة الواحدة تثير في نفوس المائات من سجناء الحق العام قلقاً بسبب تأثر إقامتهم بتضيقات نظام الصبغة الخاصة الممارسة على الإسلاميين وفيما كان الأمر بالسجون على ذلك النحو، كانت الحياة السياسية في الخارج قد جعلت من مناضلي الحقل السياسي والحقوقي الواقعين تحت المراقبة الدائمة والمشددة ، يواجهون نفور بعض أصدقائهم خوفا من بطش الحاكم، ويتعرض المواطن للمساءلة الأمنية لوعُرف بإختلاطه بأحد المناضلين وسيشعـر صاحب مقهى أو صاحب محل عمومي للأنترنات بضيق وحرج المراقبة الأمنية لو دخل عليه أحد المناضلين العاملين .وقد جعل الإصرار من أولئك المناضلين على اللإلتزم بالقضايا الوطنية والحقوقية العادلة، وجرأة مواجهتهم لحواجز المراقبة، مثير للغرابة في عيون عموم مواطنيهم.


  • وكما يُحرم السجناء المعرفة فلا يُسمح للراغبين منهم في متابعة دراستهم من داخل السجن، و لاتسمح لهم نيل المعرفة إلا من بعض الكتب الهزيلة مما أبقت إدارات السجون عليها في مكتباتها العامة من باب لزوم ما لايلزم ولا تسمح لهم بالإطلاع على الأحداث الجارية بالعالم إلا من خلال قناة سبعة التونسية وحدها أومن خلال الصحف التونسية التي لا يسمح بدخولها إلا بعدما ينقضي وقتها ليحوّل مقص الرقابة بعض مقالاتها إلى نوافذ فارغة يتسلى السجين بمراقبة زملاءه من خلالها.وكما يحدث هذا للسجين في الداخل فإن نظام السجن المعمم يمنع عن المغضوب عليهم أو المسرحين من فئة الإنتماء في الخارج حق العودة إلى الجامعة ومتابعة دراستهم، كما يمنع عرض عناوين مخصوصة من الكتاب السياسي والديني في المكتبات أومن تداول صحف عربية أو عالمية بعينها بين القراء.


  • وكما لا يسمح للسجناء باستقبال عائلاتهم وتفقد أحوالهم والإستماع إلى أخبارهم الجديدة إلا تحت الحراسة و من خلال حواجز غرف الإستقبال- Parloir Le- فإن أجهزة المراقبة التي طورتها الدولة الأمنية قد عممت نظام–Le Parloir - في إتصالات المواطنيين المباشرة بعضهم ببعض وفي إتصالاتهم اللاسلكية والإلكترونية فراقبت هواتف بعض المواطنين وقطعت خطوط أخرين، مخافة أن يلجوا مواقع إلكترونية محظورة أو يخترقوا الحجب المضروبة عليها، كما مـنعت على أشخاص بعينهم أيضاً دخول قاعات الأنترنات العمومية أو يُحذر صاحب قاعة الأنترنات إن مكّـن شخص بعينه من الإبحار في الشبكة.


والواقع أن الاسترسال في عرض أوجه التماثل الكثيرة بين السجن بوصفه مؤسسة عقابية للمحكوم عليهم والسجن بوصفه نظام عقابي مسلط على أفراد المجتمع، تكشف عن طبيعة الخلفية الأمنية والإستئصالية المعادية للإنسان التي تميّز هذه الدولة، فهي حين تحرم الإسلاميين من العمل السياسي تفعل الأمر نفسه مع باقي الأحزاب الوطنية المعارضة و حين تقمع الإسلاميين لاتتأخر لتفعل الشيء ذاته مع باقي الأطياف السياسية والمجتمعية في تونس وحين تحرم الإسلاميين الذين زجت بهم في السجون من نعت السجناء السياسيين لا تلبث أن تفعل الأمر نفسه حين تلقي بغير الإسلاميين في السجن بدعاوى اقتراف جرائم الحق العام.


محنة سجناء السياسة، محنة المجتمع التونسي

استثمرت جميع وسائل الدعاية الحزبية والحكومية في نظام ابن علي ما كان يحدث في الجزائر من اقتتال داخلي، لتضع خصومها من الإسلاميين هدفاً لسهامها، ولتصنع فراغاً حول حركة النهضة الإسلامية و تقذف في نفوس التونسيين الخوف والحذر من احتمال صعودها في انتخابات 1989، وقد سهل ذلك لاحقاً تمرير كل الاتهامات المعدة في دوائر وزارة الداخلية بغرض توفير الحجة على تورط أبنائها في اجتياز المحاذير الأمنية.وبقدر ما كان ذلك يوفر الأساس الموضوعي لشن أكبر عملية أمنية عرفتها تونس منذ 1956. كانت تلك العملية التي تجري تحت عناوين حماية البلاد من التطرف الديني والإرهاب الإسلامي، قد ساعدت الحكم على نقل نزاعه ضد الحركة الإسلامية من الساحة السياسية إلى الساحة الأمنية والأخلاقية ووفرت لخطابه حجة استئصالها وحرمان أبنائها من صفة السجناء السياسيين.

لقد ظلت مسألة السجناء السياسيين إلى غاية النصف الأول من التسعينات على الأقل، قضية يجري التعامل معها من قبل الأطياف السياسية المعارضة على أنها قضية خاصة بحركة النهضة الإسلامية حصراً، فالاعتراض على قمع الحركة وسجن أبنائها لم يتجاوز بادئ الأمر، الشجب البياني أو الدعم والمساندة بمبادرات فردية.

إن المعالجة الأمنية التي تعاطى بها نظام ابن علي مع خصومه السياسيين ومناضلي المجتمع المدني عموماً كشفت ما عليه نظامه من إفلاس على المستوى السياسي وماحمله تغييره من مشاريع إمبريالية متصهينة لن يجد لها في الساحة السياسية، من بين المعارضة الشريفة، من يشاركه في إنجازها، وعليه فإن تنفيذ مشاريعه تلك، تستلزم تجميد المعارضة الجادة بعد استئصال حركة النهضة الإسلامية رأس حربتها، ثم الإبقاء على حالة الطورىء غير المعلنة، إذ لن يستقيم له الأمر لو جرت منافسة سياسية مع أي من المعارضة الوطنية الشريفة،إن تقيد هو بقواعدها.وكل جهوده لحمل المجتمع على رأيه وخياراته كانت تمر عبر المعالجة الأمنية حصراً، أكان الأمر مع الإسلاميين أو اليساريين أو الليبراليين أوالحقوقيين، وهكذا فأمام العجز و الحرج من الدخول في سجال سياسي مع المعارضة وأمام شرعية العنف الذي تمنحه إياها مؤسسة الدولة وبالاستفادة من القدرات الأمنية التي طوَر وسائلها، كان نظام ابن علي يجد كل الراحـة في رمي معارضيه في السجون بعد تجريمهم ثم تصنيفهم ضمن سجناء الحق العام. ولقد كان حرص نظام السابع من نوفمبر على نقل صراعه ضد خصومه السياسيين من دائرة السياسة إلى دائرة الأمن و الأخلاق ما من شأنه، بزعمه، أن يُـفقد خصومه هوياتهم السياسية ورأسمالهم الرمزي ويُعفي في نهاية المطاف الأنتليجنسيا الانتهازية المتحالفة معه من مناظرات عجزت، مع تراكم تناقضاته وفشل برامجه، على الدفاع عن سلامة نهجه أو إقامة الحجة على وطنية خياراته، وظلت، في جميع المناسبات، تتحصن فقط خلف الإدانات الأخلاقية و الخطوط الحُمر الأمنية، دون أن تُعْـلي للحجاج سـقفاً سياسياً متناسباً مع شعارات النظام الموصوفة بالتقدمية.

وبمناسبة الهجمة على الإسلاميين والإلقاء بهم في السجون كانت الأجهزة الأمنية قد أجرت تعميم تلك الحالة على جميع مناشط الحياة الاجتماعية والثقافية والاقتصادية وأدى قـرض نظام ابن علي لمكونات المجتمع المدني والسياسي بمقارضه الأمنية وتفخيخه من الداخل بحلفائه من الانتهازيين حداً أفقد المجتمع مناعته وخياراته الحرة، وسهل إنجاح برامج المسخ والتغيير التي جاء السابع من نوفمبر يتأبطها. و فيما كانت كل البرامج السياسية والثقافية والاجتماعية تعمل على اختطاف الجيل الجديد من شباب البلاد وتحويل وجهته بعيداً عن التطور التراكمي للوعي السياسي والمدني للشعب التونسي وعن التجربة التاريخية لنضالاته الميدانية و السياسية والمجتمعية كانت تلك الحالة الأمنية المُعـممة قد أنجزت فعلا قطيعة بين جيلين تونسيين ومنعت الرقابة بآلياتها المنهجية فرص التواصل الاجتماعي بين الجيلين وصنعت فراغاً حول الجيل السابق من مناضلي المجتمع المدني وعـزلته. وعمّمت العزلة الانفرادية على الجمعيات الحقوقية والأحزاب الوطنية والشخصيات المناضلة وجرى التعامل معها بصبغة خاصة(ص.خ) كما يجري الأمر تماماً في السجون مع الإسلاميين.

لقد أكدت المنظمات الحقوقية والإنسانية المحلية والدولية أن المحاكمات التي تعرض لها الإسلاميون طوال الخمسة عشر عاماً، كانت تفتقر إلى أدنى شروط العدالة.وأن عدد الوفيات في صفوف الإسلاميين خلال الخمسة عشر عاماً، جاوز الأربعين حالة، جراء التعذيب في مراكز الأمن أو نتيجة الإهمال الصحي في السجون أوالهرسلة المتواصلة للمسرحين.وأن الأحكام المؤبدة تشمل 59حالة منهم وأن بعضهم قضى ما يزيد عن الثلاثة عشر عاما متواصلة في العزلة السجنية. وأن المراقبة الأمنية (المسمات إدارية) بعد قضاء السجناء محكوميتهم، تضعهم مجدداً على ذمة وزارة الداخلية وتعـرّضهم للإهانات القاتلة ما دفع اثنين من الإسلاميين المشهود لهم بالتدين وحسن الخلق إلى الانتحار.وحين يحاكم الإسلاميون من ثلاثة إلى ست مرات على التهمة الواحة لضمان أقصي الأحكام،وحين تُـكره زوجاتهم على تطليق أزوجهن السجناء..... . فإن صورة الوضع لمحاكمات الإسلاميين وما استتبعته من انتهاكات وما خلفته من أثار مادية ونفسية على عائلات السجناء وأبنائهم وما كان للهجمة الأمنية من أثار بالغة الخطورة على مائات الألاف من التونسيين ممن لهم علاقة قرابة أو صداقة أو علاقة جوار بالإسلاميين المحاكمين أو ممن كان التدين ظاهر سلوكهم، وماكان لكل ذلك من نتائج على مصير الحياة السياسية لاحقاً، ستجعل من محنة الإسلاميين محطة للمراجعة السياسية لماآل إليه المجتمع التونسي من سقوط متسارع بانخراطه الإرادي أو القسري في اللـعبة الأمنية و لما آل إليه الأمر أيضاً من خنق لمؤسسات المجتمع المدني العريقة ومحاولة متعمدة لتدميرها.وكلما كانت الأسئلة البسيطة بمناسبة تلك المحنة تتسع لتخاطب الضمير كانت الأسئلة الإشكالية تتوالد على وقع الحصار الأمني الذي انغلقت دائرته حول الجمعيات والأحزاب والنقابات القطاعية والشخصيات الاعتبارية والعامة من الناس وتحفر عميقاً وعي جديداً بالمحنة .وبدأت أصوات الرفض تتعالى: مع سهام بن سدرين و منصف المرزوقي وبدأ نظام إبن علي يفقد شيئاً فشيئاً حلفاءه، فيما بدأ المجتمع المدني يستعيد مع الضعف، عافيته.

والتحركات التضامنية للمجتمع المدني لاحقاً، التي التفت في لجان مساندة حول محمد مواعدة وحمة الهمامي وتوفيق بن بريك وراضية النصراوي وعلي الرواحي... ورسالة حق عند سلطان جائر للقاضي مختار اليحياوي وانتصارات المغفور له زهير اليحياوي في غزواته للساحات الافتراضية، و هبّة محمد عبو نصرة للسجناء و استنكارا لتعذيبهم ثم تلاها إضراب قطاع المحاماة. وقطاع التعليم.. جميعها كانت مناسبات وطنية راكمت ضربا جديدا من النضال المشترك وأسست لوعي جمعي في التعاطي مع الشؤون الوطنية الراهنة منذ 18أكتوبر2005 على قاعدة النضال من أجل الحقوق والحريات. ولقد أسهمت مراكمة النضال على مدى السنين الخمس الماضية إلى إخراج ملف السجين السياسي من مشاغل عائلته السياسية حصراً ليصبح هماً وطنياً مشتركاً بين جميع الأحزاب والجمعيات الوطنية المناضلة وعنواناً جامعاً للقمع السياسي وإنتهاك الحقوق وعلامة فارقة لمحنة المجتمع التونسي كله.


الجزء الثاني

إن الخصوصية الجامعة التي تجعل مسألة السجـن السياسي القضية الأم للقضايا التي تشغل الأحرار من التونسيين، هي كون مؤسسة السجن بما هي مؤسسة عقابية لا تستهدف بالعقاب السجين الفرد بحد ذاته فقط ولا فاعل الجرم بصفته البشرية وحسب وإنما في واقع الأمر تجري معاقبة ذاك السياسي بما هو: هوية عاقلة وكيان مجتمعي وفعل للحق.فتجريم السياسي منهج يعمل على بتر السلوك وطمس الوعي واحتكار دوائر الفعل السياسي وهو أيضا يقنن أنظمة السجن العقابي ويعممها.وإذا كان السجن أكثر الصيغ الحسية بداءة للعقاب المؤسسي، فإن إرادة الاستبداد قادرة على أن تجعل له أنظمة بالغة التجريد و المرونة، تشارك الفرد والجماعة معاشهما بإكراهات ناعمة، لاتلبث الطباع البشرية أن تتطبع عليها بعد التبلد.

إن الذين لا يزل نفاقهم السياسي يهيم بهم فيدَعون أن محنة الإسلاميين في السجون هي محنة إنسانية وليست محنة سياسية هم في واقع الأمر أحد صنفين: إما أنهم حلفاء إسترتجيون لنظام إبن علي وحماة لمشاريعه الإمبريالية المتصهينة أو أنهم حلفاء موضوعيون أدى عنهم نظام إبن علي بقمعه الإسلاميين، ما لن يترددوا في أدائه لو أن الأمر بيدهم. فحين بتحذلقون في إجتهادهم بالتمييز بين الحقوق السياسية للإسلاميين وحقوقهم الإنسانيةوحين يعتبرون السجن السياسي منحة لايستأهل الإسلاميون التمتع بها، إما لأنهم أجرموا كما يقول الحلفاء الإستراتيجيون أولأنهم ظلاميون على حد وصف الحلفاء الموضوعيون، إنما يعكس عمق الفصام الذي تعانيه هذه الذهنية السياسية المهترأة والمشبعة بلوثة الاستبداد التاريخي. ففي الوقت الذي تجتهد هذه الذهنية بإظهار رقتها وإنسانيتها حين تعترف بالوجه الإنساني لمحنة الإسلاميين دون الوجه السياسي، فإنها تكون قد أسقطت التاريخ من قراءتها وأفرغت نزاع الإسلاميين ضد مشاريع الدولة الحديثة في العهدين البائد واللاحق، من كل المضامين الإشكالية في السياسة والفكر والتاريخ, وهي تقرأ بذلك أيضاً الفعل السياسي بصورة مفارقة للإنساني من جهة وتسقط من لوازم الفعل الإنساني كل مدلولاته السياسية، وتنزع عن مؤسسة السجن ما تحمله من إمتيازات سياسية للدولة في مناوراتها ضد المجتمع المدني.وتطمس بشفقتها الزائفة تاريخا عريقا للإسلام السياسي في تونس لم تكن حركة النهضة الإسلامية إلا إحدى روافدها الأساسية المعاصرة.إن حلفاء نظام إبن علي الإستراتيجيين و حلفائه الموضوعيين حين يجعلون من السجن السياسي منحة، يجب عدم مكافأة الإسلاميين بها، ويكتفون بالشفقة الزائفة على إنسانيتهم المهدورة، يدركون مع ذلك أن السنين الخمسة عشر التي اُهدرت فيها إنسانية الإسلاميين في السجون وخارجها، كان نظام إبن علي، على مرأى منهم ومسمع، قد أهدر كرامة التونسيين جميعهم وأنتهك حقوقهم الإنسانية وصحر حياتهم السياسية. وفي الوقت الذي نشطت أجهزته من أجل تجفيف ينابيع الإسلاميين ومدارسهم الفكرية والشرعية كانت تلك الأجهزة ذاتها، بعد أن اطمأنت إلى ما بدا لها من نجاح في مهمتها، تجفف الحياة الفكرية والثقافية والاجتماعيةو السياسية، وتلغي مكاسب عريقة للمجتمع التونسي نحت بأظافره، طوال ما يزيد عن القرن، تاريخها.

كما أن حلفاء ابن علي هؤلاء، لا محالة يدركون، أن عشرات الألاف من السجناء الإسلاميين (نحو 25ألف إسلامي أدخل السجن بين1990و2005) جاؤوا من خلفية ثقافية وتاريخية لا تزال برغم كل شيئ تنبض بالحياة.وأنهم بكل حال يمثلون خياراً منافساً يجد دوماً في الاستجابة الجماهيرية لهم ما يبرر وجودهم حتى ولو ظلوا لسنين رهائن السجون المعتمة. وأياً كان رأي خصوم الإسلاميين في مشاريعهم فإنهم، قبل إغلاق جامع الزيتونة وبعده، كانوا لايترددون في مواجهة مشاريع التغريب و في دفع التضحيات مقابل خيارات، لهم في أدبياتهم ما يأصلها و في وطنيتهم ما يشهد لها.وأن السجن السياسي ليس بدعة في تاريخهم ، ليمنحهم المخلفون شرفه، وأن تجربتهم التاريخية كانت ترفع ،دوماً بتضحياتهم، من سقف أمالهم وأمال شركائهم السياسيين وتصنع بمحنتهم جذوة نضال لأجيال لاحقة.

إن بعض خصوم إبن علي ممن يضعهم عداءُهم “الراديكالي” للإسلاميين في خانة الحلفاء الموضوعين مع النظام وأجهزته الأمنية حين يبعث فيهم، هدر إنسانية الإسلاميين في السجون، شعور بالأسف وحين هم، من جهة ثانية، يستكثرون على الإسلاميين حقهم في السجن السياسي، إنما هم في واقع الأمر يجعلون من آلام الإسلاميين ومحنتهم مناسبة لمقياضتها بحقهم في السياسة و هو نهج برغم الشفقة الزائفة، يؤسس، تماماً كما يفعل نظام إبن علي، لمقدمات إقصائهم من الساحة السياسية مستقبلاً.

وحري بهذا البعض ممن لا يجد غضاضة في إقصاء الإسلاميين من الحياة السياسية، أن يذ كر أن سجل الإسلاميين على إمتداد الخمسين سنة الماضية من التنكيل لم يقطع أوصالهم ولم ينزع شأفتهم وإنما إستدعى استئصالهم شن أكبر عملية أمنية شهدتها البلاد منذ خمسة عقود ضد المجتمع بأفراده وهيئاته ومؤسساته. وحري أيضا بمن، يخرج اليوم عن هيئة 18 اكتوبر للحقوق والحريات، بتحالفات موازية تشترط إقصاء الإسلاميين عن المشاركة أن يتأكد إن كان لمشروع دولة استئصالية تأتي غداً يقودها مثل هذا التحالف أن يمنح التونسيين من حقوقهم أفضل مما منحته دولة إبن علي للإسلاميين؟

وإذا كان لابد لمن رام إعادة النظر في دولة إبن علي ووْصفها بما يتناسب ومناهجها الأمنية مقارنة بماضي التونسيين وكان يعنيه أيضاً هذه الأيام الاحتفاء بخمسينية الاستقلال عن فرنسا، أن يذكر أن أحداً من التونسيين وعلى إمتداد الحقبة الإستعمارية، لم يقضي بالسجن مدة متواصلة بلغت الخمسة عشر عاماً مثلما قضاها الإسلاميون ولا يزالون يقضونها في سجون دولة ابن علي. وأن الإستعمار الفرنسي الذي كان قد حاكم التونسيين بتهم الخيانة والنيل من سلامة أمنها الداخلي والخارجي، وتخريب منشأتها، وتنظيم المقاومة المسلحة ضدها، كان يسارع أيضاً بعد بضع سنين فقط من صدور أحكام ثقيلة في حقهم. إلى إصدار قرارات للعفو لفائدتهم.

إن إصرار النظام على وصف السجناء الإسلاميين بسجناء الحق العام، وهم الذين كانوا أقوى الأطراف المنافسة له في إنتخابات89 يؤكد كما يفعل دائما، افتقاره إلى أي أفق سياسي مطلوب لبلد كان من أهم ميزاته التاريخية بين دول العالم العربي وإفريقيا، مبادراته الإبداعيه في السياسة المدنية( من نظرية العمران البشري لإبن خلدون إلى عهد الأمان مع نهاية القرن التاسع عشر إلى بعث أول حزب سياسي في العالم العربي1920 فتأسيس أول حركة نقابية 1924 إلى بعث سنة 1977لأول رابطة للدفاع عن حقوق الإنسان في العالم العربي)
وما يزيد إلى حاجة النظام في التملص من ملف الانتهاكات ذات الطبيعة الحقوقية، بالنظر إلى تمسكه بعدم الاعتراف بوجود سجناء سياسيين في تونس تلك الضرورة الملحة في إبقاء ملفات خصومه من سجناء الرأي بعيداً عن الذاكرة السياسية الجمعية و بعيداً عن المراجعة والمقارنة النظرية بين خياراته وخيارات سياسية أخرى مقترحة وبعيدا عن استثمار خصومه للرمزية السياسية لمحنة السجن، وإخلاءاً للساحة السياسية الآن ومن بعده من بدائل وطنية، وترسيخاً لثقافة تجريم السياسي، وتكريساً لمنهج الإقصاء والاستئصال، واستدامة لحالة العقم السياسي الذي سقطت البلاد في دركاته منذ ثمانية عشر عاماً.

والدولة الأمنية وحدها حين ترهن المجتمع بمكوناته الحية المدنية والسياسية بين مؤسسة سجنية عقابية تنزع نعت السياسة عن السجين وبين نظام سجني عقابي يسحب عن المعارضة الجادة والنشطة حقها السياسي وتصبغ على التعامل معهم جميعاً صبغة خاصة. ووحدها هذه الدولة الأمنية بإقصاءاتها تلك لمواطنيها وهيئات مجتمعها و بتناقضات أجهزتها السياسية وأجهزتها الأمنية ستتطور إلى دولة أوليغارشية بيد عصابات ستعيد مراكمة دورة المال العام لتحول وجهته إلى خزائنها الخاصة.

ونظام السابع من نوفمبر الذي إنتهز انشغال العالم ووسائل إعلامه بزلزال حرب الخليج الأولى ليجهز على الحركة الإسلامية ويتخذ من حالة الاقتتال الداخلي في الجزائر حجة له لاستئصالها، فـقدَ اليوم كل معقولياته الدعائية التي بررت نهجه الأمني السابق في معالجته ملف الإسلاميين.فابن علي الذي ظهر في عيون التونسيين بصورة البطل القومي عند خروجه عن الموقف العربي بإزاء قرار التدخل العسكري في العراق في قمة مصر/1990، يجد اليوم نفسه في خدمة هذا التدخل العسكري ذاته من موقع" الجبهة التونسية لمكافحة الإرهاب" وحماية "الأمريكان" يحاصر ويعتقل بين سنتي2004و2005 شباباً تنادى لنصرة المقاومة العراقية ويزج بعد التعذيب ما يزيد عن150 منهم في السجون.

والقادة السياسيون الجزائرون الذين نجحوا في إخراج البلاد من محنة إقتتال سقط ضحيتها 150 الف جزائري، يثبتون أن الإرادة الوطنية الصادقة وحدها يمكن أن تنجز، ولوبحسابات محدودة الإنصاف، ميثاقاً وطنياً للسلم والمصالحة يستجيب إليه جميع الأطراف (الإفراج عن 2629 من الإسلاميين الجزائريين بموجب اتفاق المصالحة الوطنية) إلا أن هذا النجاح الجزائري في إنهاء أزمة البلاد مع المجتمع ومع الإسلاميين على وجه الخصوص، لايمكن لدولة ابن علي الأمنية، بأنظمتها المغلقة وميزاتها التسلطية، أن تستوعبه. فمقارنة الحالة الجزائرية مع ما قيل من قيام الحجة في تونس على تجاوز الإسلاميين للمحظورات الأمنية، وعلى الرغم من أننا لم نرى حجة أونسمع بينة على أن عود ثقاب واحد أشغله أبناء حركة النهضة الإسلامية. فإنه بعد خمسة عشر عاما من التنكيل بالإسلاميين و التدمير المنظم لمكاسب التونسيين، لاتزال وسائل دعاية ابن علي، مع إنسداد كل أفق سياسي للإصلاح، تعده بطلا وطنياً فريداً.


أحلام الإنفراج والخيارات الأمنية

يبدو أن الإفراج علىما يزيد عن السبعين من السجناء الإسلاميين في توقيت لم يعتده المنشغلون بالشأن السياسي التونسي، كان له من الوقع في نفوسهم ما دفع العديد منهم إلى التساؤل حول الأسباب الحقيقية وراء هذا الإجراء المفاجىء.وأكثر التفسيرات تداولاً، ردت الأمر إلى زيارة دونالد رامسفيلت ورغبة الولايات المتحدة في أن تردف الدولة التونسية إلى إصلاحاتها الاقتصادية والاجتماعية، إصلاحات سياسية.

والتفسير الثاني الذي تداوله المنشغلون بالشأن التونسي هو التقرير الذي رفعته لجنة الصليب الأحمر الدولي إلى الرئاسة والذي تعرض لوضع المحكومين من السجناء الإسلاميين.لكن ما أثار إستغارب الكثيرين أيضاً هو أن توقيت الإفراج كان يبعد بنحو خمسة وعشرون يوماً من تاريخ عيد الإستقلال، وهو ماجعل منه،برأيهم، حدث بدون مناسبة، بعكس ما كان يحلو لبن علي أن يفعل.غير أن الحدث من جهة أخرى دغدغ في نفوس البعض أمالاً صادقة في أن يروا في الإفراج عن السجناء من الإسلاميين، مؤشرات على الإنفراج السياسي. ومع أن كل تلك التفسيرات تظل إجتهادات مشروعة لفهم الواقع التونسي واستشراف مستقبله، إلا أنها لن تكون مقبولة إلا في حدود الاسترشاد بها فقط لما يمكن أن يرشح عن هذا الإفراج من وضع جديد بالبلاد، وما دامت لم تتجاوز هذه الاستنتاجات المجال التداولي للحدث السياسي ومادامت الدولة الأمنية وحدها، والحالة تلك، قادرة على إعطائه ما يحمل من مدلولات.

ومع أن الرئاسة تلقت فعلاً تقرير لجنة الصليب الأحمر الدولي الذي أعدته بناءاً على استجوابات لجميع سجناء الإسلاميين خصوصاً من أبناء حركة النهضة الإسلامية، خلال شهر جويلية من سنة2005، و استغرقت خلالها المقابلات مع كل واحد من السجناء بين الساعة ونحوها إلى الساعتين، فإننا نستبعد أن يكون للإفراج الحاصل في 25فيفري 2006 أثر ضاغط أدى إلى اتخاذ مثل هذا القرار وذلك لأن الإفراج كان جزئياً ولم يكن قد شمل كل المساجين ممن يعرفون بإلإنتماء إلى حركة النهضة الإسلامية، ناهيك عن كونه كان يتسم إلى حد كبير بالعشوائية ودون التقيد بأية معايير خاصة: كالمدة المتبقية من محكومية السجين أو معايير متعلقة بسوء سلوك السجين أوحسنه أو بتصنيف السجين في القضية المتهم بها من حيث أهميته الفعلية مقارنة بدور رفاقه فيها أو معايير متعلقة بالحالة الصحية التي عليها السجين.

  • فمن بين المساجين الإسلاميين من كان محكوماً بما يزيد عن العشرين سنة جرى تسريحه بينما لم يشمل هذا العفو بعض من لم يبق من مدة محكوميته إلا سنة أو سنتين.


  • كما أفرج عمن أشتهر لدى إدارات السجون بسلوكه المشاكس وتحريضه السجناء على الإضراب وعوقب لمرات بالعزلة، فيما المعروفون بحسن سلوكه من السجناء لا يزال بعضهم يقضون باقي محكوميتهم.


  • كما أنه من بين بعض المجموعات من السجناء المحكومون في ذات القضية تم تسريح المتهم الرئيسي في المجموعة وترك رفاقه الذين هم أطراف ثانويون فيها.


  • وفيما يوصف هذا الإفرج عن السجناء الإسلاميين بالعفو الرئاسي، لايزال عدد منهم ممن أدركت حالته الصحية حداً بالغ السوء، ولم يبقى من محكوميته إلا سنة واحدة، يرقد اللآن في المستشفى تحت الحراسة الأمنية دون أن يسعفه هذا العفو، في الوقت الذي سرح محكومون عنهم بمايزيد عن العشرين عاماً.

هذه الملاحظات التي سقناها تؤكد غياب معايير واضحة في عملية الإفراج حيث لابد أن تكون لجنة الصليب الأحمر الدولية قد نصحت بها إن لم تكن قد نصحت بإطلاق سراح الجميع.وحيث أن شيئاً من هذا لم يراع مع تدخل المنظمة فإن اعتقادنا يميل إلى التقليل من الأهمية المباشرة لهذا التدخل.

أما زيارة دونا لد رمسفيلت وما يعتقده بعضهم في أنها كانت وراء قرار الإفراج، فهو أمر لا نسبعده بكل حال وإن كنا لانر له في القرار أثر مباشر فمهمة رمسفيلت تأتي في سياق تترتيب النفوذ الجيواسترتيجي للولايات المتحدة الأمريكية على دول شمال إفريقيا ودعم خطط التعاون في نطاق الحملة الدولية لمكافحة ما يسمى بالإرهاب وأساساً من أجل البحث في سبل التعاون العسكري وإرساء قواعد عسكرية أمريكية في دول الشمال الإفريقي.والإشارة التي جاءت على لسان الوزير الأمريكي، بضرورة أن تجري تونس إصلاحات سياسية، إذا فهمت في سياق الإشادة بالنجاحات التونسية الاقتصادية والاجتماعية.و ما تعطيه تلك التصريحات من انطباعات عما تحمله مشاريع الإصلاح من حوافز وتطمينات فيما لوتمت تلك الإصلاحات بمواصفاتها الأمريكية وما يعنيه هذا الغزل السياسي من رضا، فإن معني الإصلاح السياسي لن يكون له أي مضمون خارج سياق الطبيعة الجوهرية للدولة الأمنية.

والواقع أن الإفراجات عن السجناء الإسلاميين عرفت في تونس بموسميتها وارتباطها بمناسبات رسمية وهي منذ بضع سنين تجري على ذاك النحو بصورة شبه منتظمة و تحقق لنظام ابن علي غرضها السياسي والأمني بصورة لا تستدعي تدخلا من أحد.و إن كان من تدخل من جهة ما، فإن تسريح السجناء سيجري على عادته وضمن الجدولة الكمية والزمنية المقررة وسيحقق ابن علي رضا وقبولاً بما سيُبديه لصالح الجهة المتدخلة من مرونة وتعقل مصطنعتين، وهو في الأخير لن يفعل حقيقة غير الذي يريد. ونظام ابن علي الذي ارتبطت طبيعته الأمنية و مصالحه الاقتصادية بمصالح الإمبريالية المتصهينة، لا تلوي ذراعه تصريحات قلقة على حالة حقوق الإنسان في تونس وهو أبعد من أن تنغص عليه تقارير المنظمات الحقوقية والإنسانية زهوه بما تدعيه له الآلة الدعائية من معجزات اقتصادية، ما دام قادر على أن يطعن في تلك التقارير و يثبت لحلفائه في الغرب إستقرار بلاده السياسي وتمسك التونسيين بقيادته الحكيمة.

غير أن السياق الداخلي للأحداث وحده، كما نعتقد، يمكن أن يسمح لنا برؤية أكثر وضوحاً بخصوص تفسير مدلولات الإفراج عن السجناء السياسيين في مثل هذا التوقيت وأثره على الحياة السياسية في المرحلة القادمة؟


  1. فرفع حركة 18أكتوبر لمطلب إطلاق سراح المساجين السياسيين في السجون التونسية، كان أكثر مطالبها إثارة وأقدرها وقعاً و إقناعاً لدى وفود المنظمات الحقوقية والإنسانية التي حلت بتونس أيام قمة المعلومات لاسيما وأن تلك الوفود تابعت الإضراب عن الطعام الذي شنته رموز حزبية ومجتمعية و زارت أسر عائلات المساجين السياسيين الذين شاركوا هم أيضاً في الإضراب عن الطعام في مرحلته الأخيرة.وهو إلى كل ذلك مطلب يقدم عينة مكثفة ومعبرة على مستوى الإنتهاكات الإنسانية والحقوقية التي يرتكبها الحكم في تونس.

  2. أن النجاح الذي حققته حركة 18 اكتو بر في حشد ها الإعلام العالمي وسحبها الأضواء إليها وحول مطالبها الثلاث وجر المنظمات الإنسانية والحقوقية الدولية خلال المرحلة الثانية لقمة مجتمع المعلومات وما قبلها، لنصرة قضيتها ثم التحركات والاتصالات شبه الدبلوماسية التي أجرتها رموز تلك الحركة في أعقاب القمة وما تحقق لها بنتيجة تلك الإتصالات من اعتراف بهيأتها التمثيلية الاعتبارية، كان قد أفقد نظام إبن علي أمام الجهات الدولية المعتبرة صورة الإجماع الوطني الخادعة التي تحرص آلة الدعاية الإعلامية على ترويجها.


  3. أن التجمع الذي دعت إليه الهيئة الوطنية للحقوق والحريات يوم24فيفري كشف لأول مرة عن وقوع النظام تحت ردة فعل مبادرات المعارضة المدروسة، مما دفعه إلى التسريع بالإعلان عن العفو الرئاسي الذي كانت قوائمه قد أعدت للإعلان عنها في20مارس احتفالا بعيد الاستقلال وعلى عكس الإفراجات السابقة التي يبلغ فيها السجناء بالإفراج فإن المسؤلون من حراس السجن أنفسهم قد بلغهم نبأ الإفراج من نشرة الأخبار الرسمية و هو ما يدلل على أن توقيت الإفراج، وليس قرار الإفراج، كانت الهيئة الوطنية للحقوق والحريات قد حددته. فنظام ابن علي الذ ي يَستعدُ منذ مايقرب عن السنة ليجعل من الاحتفال بخمسينية الاستقلال مناسبة متميزة لعهده المتجدد، صار يتوجس خيفة من أن تفاجأه هيئة18 أكتوبر فتسرق أضواءه وتتغذى وحدها على موائده.

  4. إن برنامج ما وراء الخبر بقناة الجزيرة ليوم 23فيفري الذي تناول حواره خلفية التحرك السياسي للمعارضة التونسية المنضوية تحت الهيئة ثم التغطية الإخبارية في نفس القناة خلال يوم غد كان له في الرأي العام التونسي وقع مؤثر يتجاوز تأثير حدث التجمع نفسه.

  5. أن النهج الذي تسلكه الهيئة الوطنية للحقوق والحريات باتجاه إفتكاك الفضاء العام وتحت المطالب التي ترفعها حصراً، يفسر حالة الإستنفار الهستيري للآلاف من أعوان الأمن في شوارع تونس العاصمة ومداخلها في مواجهة بضع مائات من المناضلين، وحشد مايقرب عن 3000 عون أمن من جميع الفرق_رقم تقديري_ في مساحة لاتزيد عن الكلومتر مربع إنما تضيف إلى قائمة الخطوط الحمر في أنظمة الرقابة السجنية، خطاً جديداً تفسر الحساسية المفرطة لدى النظام من كل تحرك ميداني ولو بدا نخبوياً.

لا يبدو أن صورة الوضع الذي عليه البلاد بعد الإفراج على السجناء الإسلاميينتقدم لنا ما يشير إلى أية رغبة ظاهرةأوخفية في تنقية الأجواء مع المعارضة، فقرار الإفراج هو قرار لايخرج عن المعتاد من سلوك النظام خلال السنوات الخمس الأخيرة فإن تأويل الإفراج على أنه تحول في سياسته تجاه الإسلاميين، يظل تأويل مجانب للصواب لكون ملف المساجين السياسيين- من أبناء النهضة وشبان جرجيس خصوصاً وهم الذين تم إطلاق سراحهم -بات مسكه يزيد في كلفته على النظام. وهو يعبر أيضاً عن فشله في إقناع أصدقائه الأوروبيين وحلفائه الأمريكيين أن ملف حركة النهضة يندرج ضمن مكافحته المبكرة للإرهاب المحلي. ويجد النظام في التخلص منه أمر يساعد على تحسين صورته وإسقاط ورقة ضاغطة تمسك بها المعارضة، ـ ومع أن النظام خفض ثلث المدة المتبقية للسجناء السياسيين ممن لم يشملهم هذا العفو، وهم بضع عشرات )+/-70من أبناءالنهضة المتبقين بحسب السجناء أنفسهم(، فإنه لن يتأخر في الإفراج عنهم في الأيام (20مارس) أو الأشهر ( 25جويلية)القريبة القادمة.

غيرأنمايزيد عن 150 من الشباب رواد المساجد الذين شملتهم الحملة الأمنية منذ أفريل2005، لايزال إبن علي يؤكد بتمسكه بهم رغم ضعف أدلة الإتهامالموجهة إليهم ،إن السياسة ليست طبيعة متأصلة في نظامه وإنما الثابت أن الأمن هو جوهره.ورغم أن الإفراجات الجزئية التي دأب النظام على إعلانها منذ 1999 في كل مناسبة وطنية، لاتقدم أي مؤشر على الإنفراج السياسي، إذ يسارع النظام بعدها دائما إلى التأكيد على التزامه خطاً لايزال ينهجه، فإن بعض المعارضين من الإسلاميين وغير الإسلاميين في كل مناسبة من مثل هذا الإفراج، لحسن نيتهم أو لسوء فهمهم، لايترددون في التعبير عن أحلام الإنفراج التي قد يجود بها نظام السابع من نوفمبر فجأة على الحياة السياسية في تونس.والواقع أن إطلاق سراح المساجين السياسيين على دفعات وفي مناسبات إما وطنية أو حزبية، ورغما عن كونه يجري، كما اعتدنا أن نرى، في سياق إنعاش الطابع الاحتفالي لمناسبات، فقدت في عيون التونسيين مبرراتها، فإنها بدرجة أولى، تندرج في إطار إعادة الدمج الأمني في صيغته الاجتماعية:الاطمئنان إلى أن السجين السياسي المسرح لم يعد يشتغل بالسياسة، يمارس شغلاً يقطع أنفاسه طوال النهار، مشغول بأهله وأبنائه الذين كبروا في غيابه، مشغول بالعناية بالأثار الصحية المزمنة التي سكنت لحمه وعظمه طوال سنين السجن...ولأن هذا الدمج هو دمج أمني صرف فسيستمر العقاب بعد السجن بحرمانه من العودة إلى الجامعة إن كان طالباً وإلى عمله إن كان موظفاً أو عاملاً... فهذا الإندماج الاجتماعي لن يسهل عليه العودة إلى مؤسسته أوجامعته ولن يعوضه مادياً ولن يمكنه من بطاقة معالجة مجانية ولن يرد عليه بطاقة هويته الوطنية إن إنتزعت منه ولا جواز سفره أبداً لو توفر له عرض عمل في خارج البلاد، أوتمنى على الله أن لا ينهيه الوهن ولا تقضي عليه الأمرض الخبيثة قبل أن يحج البيت الحرام ويزور القبر الشريف. إن الإفراج على دُفعات عن المساجين السياسيين بصورة دورية وفق مناسبات حزبية أو وطنية، مرتبط بالمراقبة الأمنية وخطة الأجهزة في الإستعاب والتأطير ضمن المنظومة الرقابية بوظائفها العقابية بالبلاد، فعملية الإفراج وبالنظر إلى الأفاق السياسية المسدودة لا يمكن بحال أن تُـقرأ إلا على أنها عملية ترحيل منهجي للسجين السياسي من مؤسسة السجن العقابية إلى نظام السجن العقابي، وهي في المحصلة دورة جديدة لرسكلة المـُسرحين ب
صبغة خاصة من المراقبة و لإعادة إنتاج المجتمع المقهور.....


الخميس، أكتوبر 20، 2005

من أجل مجلس وطني تونسي افتراضي مؤقت




بسم الله الرحمان الرحيم


بقلم: محمد الفاضل



لا يملك المرء إلا أن يكون عمليا في مساندة مبادرة يزي... فـُك التي تقدم بها الإخوة أصحاب الموقع، و لأن المرء ليس له إلا أن يكون كذلك، فقد دفعتني رغبتي أن أسجل ملاحظاتي التالية ثم أعرض اقترحاً ربما لو أخلص التونسيون النية وصدق عزمهم، فلعل خيراً كثيراً تنتفع به البلاد.
  • بعد استغراق الأجهزة الأمنية لمؤسسات الدولة جميعها.

  • وبعد سقوط اقتصاديات الدولة في أيدي الطغمة من عصابات أيتام القصر.

  • وبعد أن ضيّقت آلة القمع الأمنية وآلة المنع القانونية على المعارضة السياسية وغير السياسية من منظمات المجتمع المدني، فسحة العمل السياسي والنقابي والحقوقي والإعلامي والصحفي.

  • وبعد أن أصبحت الساحات الافتراضية مجالاً حيوياً لإلتقاء التونسيين بعضهم ببعض، وابتكار قنوات للاتصال جديدة وكسر الحواجز النفسية التي نجح نظام إبن علي في ضربها بينهم لسنين طوال.

  • وبعد أن بلغ الوعي السياسي لدى التونسيين حداً أدركوا فيه عمق الأزمة السياسية التي تعيشها البلاد، وتأكد عوامهم وخواصهم ما في هذا النظام من عقم ميؤوس من علاجه.

  • ولأن النظام و لخمسة عشر عام نجح في تشريد المعارضة وقطع أواصل علائقها بجمهور التونسيين، وتفتيت منظمات المجتمع المدني من الداخل و إفراغها من مناضليها وقطع طريق البقية الباقية منهم دون الوصول إلى مقراتهم وعقد اجتماعاتهم العامة ومؤتمراتهم.

  • ولأن سقوط نظام إبن علي بات وشيكاً و بزعمنا أن الأشهر القادمة ستكون عصيبة عليه، وأن سنة2006 لن تحتمل بقاءه طويلاً ولن تمنحه متنفساً لأزمات نظامه، وأن سقوطاً حراً سيُنهي دولته.

  • ولأن تقديراتنا تذهب إلى أن أيتام القصر وعصاباتهم الذين يتربصون به، لن يبطئوه خلال الأشهر القادمة وستحاول تلك العصابات بمعية الأجهزة الأمنية، أن تتلقف تركاته بعد أن تكون قد دفعت به إلى السقوط.

  • ولأن نظام إبن علي سيعاد استنساخه فيما لو صح هذا التقدير الذي لا تخفيه مؤشرات عديدة، أقلها وآخرها، إشارات الرحيل الذي كان الإفصاح عنه أكثر وضوحاً في صمت قانون الأملاك المخولة لعائلة الرئيس منه من البيان الوارد في متنه.

  • ولأن الأمريكيون الذين يقودون حملة تطهير لبقايا الدكتاتوريات بعد سقوط نظام صدام، مقتنعون أن هذه الأنظمة في صغتها تلك قد انتهت مهماتها وأن تعاون الدول معها على مقاومة الإرهاب تفترض أنظمة موالية لها، لكن لا تتسم ضرورة بسمة الانغلاق والتحجر على النحو الذي بات عليه أمر نظام إبن علي، فإن هؤلاء الأمريكيون سيسهرون، من داخل الأجهزة الأمنية المخترقة، على رعاية تلك العصابات من أيتام القصر لتأهلهم و لتخرج بهم علينا يوماً ما بخطاب جديد "يلحسون" به عقول البسطاء والأدعياء ممن هم بين ظهرانينا دائماً، ثم لتبدأ دورة الفساد من جديد.

  • ولأن حجم التخريب المنهجي الذي أنجزه نظام إبن علي خلال الثمانية عشر عاماً منذ سطوه على مؤسسة الرئاسة، لئن كان له أهداف راهنة، شاهد التونسيون نتائجها المدمرة في كل الميادين الحياتية بدون استثناء، فإن الأهداف البعيدة لذاك التخريب كانت تحرص على نسف كل إمكان لظهور بديل وطني حقيقي.
    وبناءاً عليه فإن أي بديل سياسي سيكون أمام اختبار قدرته الحقيقية على إدارة شؤون البلاد وتلبية ضرورات الشعب التونسي بتوفيق و نجاح ولو نسبيين من بعد مرحلة إبن علي، كما سيكون عليه أيضا المراهنة على ذلك من غير أن يتورط في إنقاص سيادة الدولة وارتهان استقلاليتها ومن دون أن يكون التطبيع مع إسرائيل على رأس قائمة المقايضات السياسية، التي لن يبطأ الأمريكيون في اشتراطها.

    ولأن خلافة البلاد بعد إبن علي وعلى النحو الذي ستفاجأنا صورتها فور إخلاءه لمواقعه، ستكون أمام أي طرف مهما اعتقدنا في نزاهته ووطنيته، محفوفة بمخاطر المقايضات السياسية الدولية.

  • ولأن وعي عام بضرورة التصدي لهذا النظام من كل الخنادق المتقابلة( انظر الخلفيات السياسية للمضربين عن الطعام اليوم18.10.2005 وتمثيلهم لمنظماتهم) قد تزايد لدى التونسيين بصورة ملحوظة ولأن تأجيل النظر والنقاش في الخلافات ذات الطبيعة الإيديولوجية أو الشبه الإيديولوجية بات ثمرة وعي التونسيين بضرورة الترفع عن الذات وإدراكهم لوجوب تقديم المصلحة الوطنية على المصالح الحزبية أوالأغراض الذاتية.

  • ولأن التونسيون في الشتات أقدر على ضبط الاتصالات بين تونسيي الداخل وتونسيي الخارج، وضمان نجاح أي مبادرة بعيداً عن التضيقات ومتابعتها وإذكائها بمنأى عن المحاصرات وفي إطار من تبادل مثمر للأدوار.

نقترح: على الإخوة أصحاب المواقع الإلكترونية التونسية المناضلة على تبايناتها أن تتبنى الاشتغال على مشروع:

  • تشكيل مجلس وطني تونسي افتراضي ممثل من قبل كل الأحزاب الوطنية المعارضة دون استثناء و من المنظمات المجتمع المدني.

  • سيكون على المجلس الوطني اثر تشكيل هياكله وإعلانه عن نفسه، أخذ زمام المبادرة لتوجيه الشارع: جمهوراً ومنظمات وأحزاب باتجاه إسقاط نظام إبن علي وقطع الطريق على العصابات والأجهزة الأمنية قبل سطوها على السلطة وإن نجحت في أن تكون أسبق صار على المجلس الوطني الافتراضي شل حركتها بتوجيهه للشارع السياسي ولن يَعدم الحيلة حينئذ.

ملاحظات

  • ربما بدا هذا الإقتراح(يتوبيا) قبل إنجازه لكن سيكون التونسيون كعادتهم أكثر قدرة على صوغه الصياغة الواقعية التي تقتضيه وتضمن نجاحه فيما لو أخلص المنشغلون بالشأن العام النيةّ واجتهدوا في تبنيه وتطويره.

  • إذا أمكن للمنشغلين بالشأن العام أن يجمعوا في توليفة واحدة بين الإضراب الحالي للسجناء السياسيين في سجونهم وبين الإضراب عن الطعام الذي أعلن عنه السادة رؤساء وممثلي الجمعيات والأحزاب المعارضة في 18.10.2005 والمبادرة القيّمة التي أطلقها الإخوة في المجال الافتراضي يزي..فك، فقد صارت مهمة بعث مجلس وطني إفتراضي يضم كل الأطياف السياسية والمجتمعية، يتابع ويرشد ويأطر فعاليات الحراك السياسي والميداني، أمر لا يجب التغافل عن الضرورة التي تتوجّبُه.

  • ربما كانت هناك قبل اليوم مبادرات مماثلة لم يكتب لها النجاح، لكن لعلى المرحلة الراهنة تضعنا اليوم في التوقيت المناسب للتحرك والإنجاز.

  • ليس على التونسيون أن ينسوا أنه في أوت من سنة1946 الموافق لـ27 من رمضان، عقدت النخب التونسية جميعها، ممثلين عن أحزابها الوطنية وعن الصحافة والمنظمات التونسية وجمعياتها مؤتمراً وطنياً سرياً أصدر خلاله المؤتمرون قراراً واحداً و وحيداً ولأول مرة وبصورة علنية منذ دخول الاستعمار الفرنسي البلاد التونسية في سنة1881، سيعمل الجميع لأجله، هو: الاستقلال، كما ليس عليهم أن ينسوا أن هذا، حَدَثَ في وقت كانت البلاد التونسية فيها فاقدة السيادة، وفي ظروف أمنية مماثلة لما يعيشونه اليوم، و أنه كان من عظيم خصال ذلك الجيل أن أياً من الأحزاب والمنظمات أو الجمعيات المشاركة كان يعنيها أن تستأثر لنفسها بالإشراف والتنظيم أو تزايد على غيرها من الأطراف المشاركة بشرف المبادرة و قد كان من أمتع لحظات أولائك المؤتمرين وقتها كما أوردت مذكراتهم، أنهم قضوا أيام عيد فطرهم جميعاً أو أغلبهم في السجون.

فهل نحن التونسيون-حقيقة- أبناء أولائك التونسيين ؟


وبالله التوفيق



الأربعاء، سبتمبر 28، 2005

البداية والنهاية في مسألة الشرعيّات وتهافتاتها



بقلم محمد الفاضل


بسم الله الرحمان الرحيم


المقدمة

لقد ظلّت مسألة شرعيّة نظام بن عليّ، منذ اللحظة الأولى، مسألة لا تغادر وعي أي سياسيّ، حدّث فيها نفسه أم حدّث غيره. فصفة الشرعية التي ينسب إليها نفسه ، لايمكن التعامل معها بالمعنى السياسيّ في صغتها المجملة، لذلك فإن التفصيل في المسألة يستدعي الحفر في التاريخ والسياسة والثقافة والنقابة والرياضة والعمل الخيري والفنون من أولها إلى سابعها والتعليم من الابتدائيّ إلى الجامعيّ والأنشطة الثقافية من مهرجانات المدينة إلى تلك الدوليّة. كما في السياحة واقتصاد السوق وفي أنشطة عصابات الأسواق الموازية المرتبطة بالقصر ثم في أشكال العنف الاجتماعي اللفظي والعضلي المستحدث منذ 1987 والعنف السياسي المنظّم. كما تستدعي المسألة النبش في تاريخ الرجل وقد علم القاصي والداني من أين جاء، فأيّهما يجهل إلى أين يمضي؟

وإذا كانت مسألة شرعيّة أيّ نظام سياسيّ، مسألة من أولويات بحث المشتغلين في الحقل السياسيّ والتشريعي داخل البلاد وخارجها، فإن ابن عليّ الذي اجتهد في أن يُكسب نظامه شرعيّة افتقر إليها منذ اللحظة الأولى لن يدّخر جهدا ليُراكم عددا من" الشرعيات" يستند إليها نظامه وسيظلّ يعتبرها بمثابة أسس الشرعية أو هو يستعيضها عن الأسس ذاتها.

وإذا كان الأمر، بأيّ عين قرأنا، يُبرره السلوك السياسي العام لأيّ نظام مهما كان منضبطاً للدستور، فإنّ حالة نظام بن عليّ ستجعل من توفير شرعيات من تحت القانون ومن فوقه، تُراكم بعضُها فوق بعض، حتى إذا بلغ درجة عالية من "الإشباع الشرعيّ" صار الدستور ذاته خارج الشرعيّة ،الشيء الذي سيحمل القائمين على ترشيد النظام في لجان التفكير بالتجمع الدستوري الديمقراطي ومستشاري بن علي "المتنورين" إلى دعوة الدستور ذاته للإنضباط على النحو الذي يوافق تلك " الشرعيات المشبعة". وبدلاً من أن يُرَاجع الأمر مع فقهاء القانون وأئمة السياسة من المعارضة بحرية هم حقيقون بها وبشفافيّة كانوا قد وُعدوا بها، راح النظام يطلب، وقد علم وأختبر أي نتائج يمكن لآلة القمع أن تقدمه من مكاسب سياسية عظيمة على الأرض، يطلب الفتوى من تلك الجماهير التي تـَشكّل سلوكها وقسماً من وعيها خوفًاً وطمعاً، خلال عشريّة ونصف العشريّة، يسألها إن كانت تقبل بتأبيده وقد أفتت من قبلُ بـتأييد.

غير أن حالة الترهّل التي يعيشها نظام بن عليّ بعدما بدت أولى مؤشراتها الظاهرة منذ سنة 1998، تدعـونا اليوم بقـوة، إلى إعادة طرح سؤال الشرعيّة على النحو التالي: ماذا بقيَ من الشرعيات التي ظلّ نظام بن عليّ يتزييَّ بها ؟ وإذا كانت هذه الصيغة، بنظر من لا يُقر لبن عليّ بأية شرعيّة، تبدو كما لو أنها تعيد النظر في البديهيات،فإن السؤال يجد في الصمت والإمساك عن الرفض و عن الإدانة في أول ذاك العهد وفي البحث عن خيارات المصالحة منذ عهد ليس ببعيد، ما يحتاجه موضوعياً لإعادة توصيف المسألة وقراءتها من منظور سياقاتها المنجزة. ومع كون المسألة ربما حملتنا إلى جرد ما تحت تلك" الشرعية السياسية" من وقائع أنهكت التونسيون وصحّرت حياتهم الإجتماعية والسياسية والثقافية والعلمية، فإن المسألة مع ذلك لا يُحتجّ بها فقط على نظام ابن علي بقدر ما يُحتجّ بها أيضا على مجمل المجتمع التونسي أفرادُه وجماعتُه وجمعياتُه، الذي استقال من قبل أن يُقال.

الجدلية الممسوخة، الحزب ودولة ابن عليّ

فحين جاء نظام السابع من نوفمبر في سنة 1987 لم يكن إ بن عليّ قد استقر في وعيّ الناس بصورة ترشّح له مكانة معتبرة لدى العموم. وعلى الرغم من أن السنوات الأخيرة لبورقيبة باتت ثقيلة في نفوس التونسيون، خصوماً وموالين، فإنّ تنحيّته من الحكم لن يكون القبول بها يسيرا على من اعتادت ذاكرتهم على شخصه الذي راكم له التاريخ الرسمي وسياسات الماضي والدعايات الحزبيّة ووسائل الإعلام المكتوبة والمسموعة والمرئية والكتب التعليميّة، رصيداً رمزياً من الكاريزمة المؤثرة. لذلك فإن جرعة واحدة من البيان رقم واحد، كانت تكفي لإرضاء الموالين:

1. التأكيد على مهمة الإنقاذ التي اضطلعت بها حركة السابع من نوفمبر، لتلك المسيرة التي قادها بورقيبة منذ 1956

2. التأكيد على الولاء الدائم لشخص بورقيبة ثم النهج والتا يخ البورقيبيين.

ومع أن هذه الجرعة من التأكيدات في شأن العلاقة ببورقيبة و تراثه مستغربة من رجل لم يكن قبل اليوم بورقيبياً، إذ لم تأتي به غير الضرورات الأمنيّة التي وفرت له طريق العبور إلى السياسة من القوة إلى الفعل ثمّ لاحقاً إلى فعل القوّة. لكن حين يجد الرجل نفسه أمام شخصيّة بتلك الحجم في رصيدها ثلاثين سنة من الحكم واثنين وعشرين سنة من العمل النضاليّ في مستوى القيادة من أجل التحرير، فإنّه من الغباء لمن استقدمته الحاجة الأمنية ولم يكن له من رصيد لا في السياسة ولا في التاريخ، أن لا يدعي التماس نهج البورقيبية في سياسته وأن لا يدعي امتداد حركته الإنقاذيّة تلك لتاريخ الحركة الوطنيّة التحررية، لما يمكن لذاك الادعاء أن يوفره من تطمينات مؤقتة للدستوريين وغير الدستوريين، معارضة وغير معارضة ممن ارتابوا في ماهية هذه الحركة.

وأيّن كان موقف الموالين من تنحية بورقيبة لحظتئذ، وزعمهم أن حالة بورقيبة لم تكن بالعجز الذي رُوّج له، وأنه ظلّ بعد خروجه من القصر يمارس نشاطاته الخاصة اليومية بما فيها المطالعة بصورة معتادة، أو رأي المعارضة وموقفها وبعض جماعات القصر المتأهبة، الذين ظلّوا متمسكين بالقول أن بورقيبة قد انتهى سياسياً منذ السبعينات، ناهيك عن حالته الصحيّة التي بدأت في التدهور منذاك. وعليه فإن القولين في تقديرهما للحقبة البورقيبية السابقة لا يخفيان حقيقة أن الشهادات الطبيّة كانت وحدها تنهي حكم بورقيبة، سواء قبل سنة 1987 أو بعدها، وأنّ الأمر ما كان ليحتاج إلا لرجل استعد للمهمة أمنيا قبل أن يستعد لها سياسياً، فقد كان دائما يمكن اصطناع خطاب سياسي تقدمي يوافق هوى" الجماهير" إن كان الأمر لا يتعدى الحاجة إلى التسويق والتسويف، أما دون مؤهلات أمنية في هكذا عملية فلم يسبق لوزير أول ( محمد مزالي مثلاً )، يرشّحه الدستور للرئاسة إن عجز الرئيس، أن فكّر في المجازفة بهكذا خطوة.أما رجل كأبن عليّ، أعاد هيكلة الأنظمة الأمنيّة للبلاد وأحكم إدارة فروعها خطوة خطوة، من أجهزة الأمن العسكريّة إلى الحرس الوطني إلى الأمن العام إلى الأمن السياسي إلى الأمن الرئاسي...الخ، فإنه، موضوعياً، كان الرجل الوحيد الذي يستطيع استخراج شهادات طبيّة تثبت عجز الرئيس، دون أن تثني عزائمه ردود فعل غير محسوبة من قبل جماعات القصر المتأهبة للخلافة.

لذلك فإنّ تخطي عقبات القصر نحو الشرعيّة القانونية، كان يحتاج، بصرف النظر عمّا يسمح به القانون، إلى مأهلات أمنيّة بدرجة أولى ثمّ إلى شهادات طبيّة بصورة شكليّة، وقد استوفى الرجل الشرط الموضوعيّ اللازم لحركته. وبالنظر إلى الشعارات التي رفعها بيان السابع من نوفمبر والتي كانت في مجموعها حصيلة مطالب المعارضة، فإنّ حركة 7 نوفمبر يمكنها فعلا بمعنى ما أن تجمّع الديمقراطيين من غير الدستوريين والدستوريين جميعاً من غير الديمقراطيين، كما تجمّع المرتزقة من النخب الفكرية والسياسية مع أبناء الشوارع، فتوسّع من قاعدة الحزب وقمّته، ولكنّها ستضع كلّ ذاك الرصيد الشعبي في خانة الشرعيّة السياسية لرجل وجد في القانون مدخلاً إلى القصر عبر شهادات طبيّة تثبت عجز رئيس شاخت دولته منذ السبعينات.

لقد ساعدت هذه التأكيدات التي حملها بيان 7 نوفمبر على استمرار ارتباط العلاقة على درجة عاليّة من الوثاقة بين الحزب والدولة وهو ما سيبقي الباب مفتوحاً لإعادة إنتاج دورة جديدة من الفساد وجيل جديد من المفسدين. فقد جدد هذا " التغيير" في نفوس الانتهازية من بين الأنتليجنسيا إلى أبناء الشوارع حماسة الإنخرط في هذه الدورة الجديدة فاتحا " للجياع" أفاقاً واسعة للتكسّب عبر الحزب ونفوذ الدولة. كما شحذ عزائم من طال عليه عهد النضال من موقع المعارضة، ليتحوّل طمعاً إلى مدارج "التغيير" كما دفع لاحقا من يطلب سلامة النفس والمال حين اشتغلت آلة القمع ضد الإسلاميين،إلى الاحتماء بالرمضاء من الحديد و النار. وعلى الساحة نفسها التي كان فيها التجمع الدستوري الديمقراطي يتوسّع أفقيا وعمودياً كانت أجهزة الأمن تتوسّع برجالها وحريمها ومتطوّعيها كتفاً بكتف في الريف وفى المدينة في المؤسسة وفي الشارع لحراسة البلاد وأمنها بعيون لجان اليقظة المبثوثة في كلّ مكان وأصحاب السوابق الذين أخلوا محلاتهم بالسجون قبل الوقت ليَحْجز بها الإسلاميون. و كـلما اشتد عنف أجهزة أمن الدولة القمعيّة ضد أبناء الحركة الإسلاميّة في النصف الأول من التسعينات خصوصاً، كان ذالك يدفع بالإقبال على الانخراط في التجمّع سليل الدستور ليحقق نسباً قياسيةً لم يحققها منذ مؤتمر قصر هلال 1934 . والواقع أنّ مثل تلك العلاقة الجدلية الممسوخة بالأمني و التي شملت كل أنشطة الحياة في تونس منذ نوفمبرسنة 1987 وإلى اليوم، أريد لها بقصد أن تضع كل المجتمع ومكوناته رهن التجمع الدستوري الديمقراطي و الأجهزة الأمنية لدولته.

ولمرحلة من تلك السياسات أغلقتْ كلّ المؤسسات أبواب الانتداب إلا وزارة الداخليّة فقد ظلت أبوابها مشرعة لمن ضاقت عليهم السُبل، وقد تم عبر تلك الفرصة الوحيدة لجني القوت، تعبأة البلاد أمنيا لتبلغ أعداد العاملين في القطاع الأمني 160ألف عون مسجل، وإذا كان كلّ عون من هؤلاء لديه من بين أصدقائه وعائلته وأهل حييه عشر أشخاص ممن يلجئون إليه للتوسط في بعض حوائجهم أوللتظلم أو للإستقواء على الغير، وهو سلوك من عُرف المهنة، فإن تلك الخدمات التي تقدم عن غير طريقها وهي في الغالب تتم لحساب غير مستحقيها أو على حساب أصحاب الحقوق، تؤلف شبكة من المنتفعين بالإمتيازات الأمنية لا يقل عددها عن المليون ونصف المليون من التونسيين الراشدين، وفي ظل دولة تعطل مهمات المؤسسة و تمنح أعوانها استثناءات و تـقايظ المتعاونين بهكذا إمتيازات، فإنها بذلك إنما تعمل على تسويق روح التطبيع والتسامح مع الأجهزة القمعيّة، وتخلق حالة من الاستقطاب الأمني بمناسبة الحملة على الإسلاميين لتعزلهم ثم تستمر في تغذية هذا الإستقطاب وتوظيفه لعزل ما تبقى من روح الممانعة لدى الأحرار من التونسيين. كما صار الانخراط بالتجمع الديمقراطي الدستوري شرطاً لازماً من شروط منح رخص الإنتصاب والأكشاك وسيارات الأجرة والمقاهي ومحلات البقالة وشرطٌ لمنح العائلات المعوزة وغير المعوزة اشتراكات مجانية للنقل العمومي والإقامات بالمبيتات الثانوية و الجامعية والرحلات الترفيهية والتزكيات للترقية المهنيّة والنجاح بالجامعة والانتداب في الجامعات ذات الصيت العلميّ والبعثات الجامعية إلى الخارج، حتى المشاركات العلمية بالمؤتمرات الدوليّة وهي حوافز وإكراميات توزّع بسخاء على المتعاونين أو المرغوب في تعاونهم ولكن توزع أيضا بحذر خشية وقوعها في يد من ترتاب الأجهزة الأمنيّة فيه لقرابته بأحد الإسلاميين، قرابة فصول أو فروع ناهيك عن أن تكون قرابة أصول.

وبقدر ما كانت توسّعَُ قاعدة التجمع انسيابية كما تبدو بفعل العنف الناعم الذي أصبح بعد سنة 2000 مسئولا عن إدارة الحياة بالبلاد، وتراجعت نسبياً آليات العنف المادي إلى قواعدها بأقبية الداخليّة، صار وعيّ اللامبالاة وفلسفته يفرّخ نشاطاته في همجية وعنف جمهور كرة القدم وسوقية ورقاعة هواة الممسوخ من الفن الشعبي وفي تهتك رواد المهرجانات الغنائية و في اللغة المنحولة التي تََنحَتُ ألفظها ومعانيها السوقة، لتروّج لها المسلسلات التلفزيونية، وتعمم الرشوة والإكراميات جميع القطاعات، وتفوت دولة ابن علي في مكاسب الاقتصاد الوطني الذي بُنيَ بسواعد وعرق التونسيين لفائدة المافيات اليمينية البرتغالية والأسبانية والإيطالية ناهيك عن المافيا "الوطنية" من أيتام القصر، فلم يبق مجال إلا ونخر عظامه الفساد. فقد كان فساداً كاسحاً بأتم معنى الشموليّة ما أنهك جمهور المواطنين وقتل فيهم روح الممانعة، وسهّل تطويعهم أو هو سهّل انصياعهم طوعاً أو كرهاً. فتراجع الجميع عمال و نقابيون و صحافيون وإعلاميون أساتذة الثانويات وأساتذة الجامعات، محامون وقضاة، رجال السياسة و"رجال الدين" وتولى الجميع الدُبُر، بعضهم يرى في تصفية النظام للإسلاميين من شأنها أن تعيد إلى الساحة السياسية مناخها الديمقراطي الذي "ناضل" التقدميون من أجلها سنوات السبعين وبعض الستين و أنّه إذا انتصر النظام غنم التقدميون توازن الساحة و بعضهم الأخر وفّر عليه النظام ما كان يقوم به لو أنّ الأمر بيده، وغيرهم اصطف خلف النظام يجتهد في الدعاية له والوشاية بالناس غير عابئ إن كان يغمس خبزه في الدم أم في الإدام فيما كان آخرون يهمسون بالحوقلة، إلا ما كان من بعض الشرفاء والشريفات ممن عزّت عنهم البلاد .وتُركت بعدها لزحف المفسدين من كبار المسئولين وصغارهم، وتقاسم المغانم عوائل إ بن عليّ و الطرابلسية. وفي غمرة تلك الهزيمة التي منيت بها البلاد واُضطهد شعبُها ودُمرت مؤسسات مجتمعها المدنيّ ومُسخت قيمها وهُتكت مقدساتها وضُرب بتاريخها عرض الحائط وتفككت اقتصادياتها، كان بن علي بترسانته الدعائية، وهي من أهم أذرع نظامه، يعدّ أكثر السيناريوهات إبداعا وأكثر الأدوار تألقاً و بأكثر الجماهير حضوراً لأكثر عروض مسرح "هواء الطلق" رومانسية، ولكنها أيضا أكثرها مهارة في انتاج وعيّ زائف للاستهلاك المحلي والدولي إذ ما عادت المظاهر الاحتفالية الجماهيريّة المعدّة في دوائر وزارة الداخليّة و بالتنسيق مع الحزب الحاكم لتنطلي على أحد، ما دامت السياسة وحدها في تونس من بين الثالوث المحرم، تتفرد بالتحريم ولا أصبحت تلك " الجماهير" المنقولة من الريف إلى المدينة مجانا عبر وسائل النقل العمومية، تحضى بمصداقيّة، ما دامت المظاهرات الاحتجاجية تُمنع في شوارع المدن كبراها و صغراها و يضرب من حولها المتاريس وتواجه بالكلاب والعصي الغليضة. ولا عادت الجماهير تمنح أحدا مشروعيّة ما، ولا ما تمنحه يحضى بمصداقيّة، ما لم تكن عبر صناديق للاقتراع مراقبة من قبل هيئات المجتمع المدني و لجان معروف أعضاءها بالنزاهة الدولية. و الواقع أن نظام بن عليّ ما ادخر جهدا ولا قريحة لتوظيف ما فوق الأرض و ما تحت السماء لإحكام إغلاق منافذ الحرية التي مُنعت عن الناس منذ مجيئه. وفي مطلق غياب الحريات الأساسية، شيّد كما شاء واشتهى"شرعيّة سياسية" هي اليوم على مشارف الاحتفاء بعيدها الثامن عشر.

لم يكن إ بن عليّ ليحقق ما يدّعيه من شرعية لولا إغراقه الحزب في الدولة وإشباع الحزب والدولة معاً بالأمن، وتحيّده التونسيين عن معركة ظنّ أغلبهم، بوعي ساذج أنّها ليست معركتهم، فأنعش الطمع نفوس الانتهازيين فمنحوه صوتهم، وأربك الخوف نفوس الأدعياء و المحايدين فمنحوه صمتهم.. و في ظل الإختلالات الخطيرة التي أفقدت المجتمع توازنه، انتهت التسعينات إلى سقوط سريع و حاد لجملة قيم الجسد والروح للمجتمع التونسي في توقيت قياسيّ عسُر على أكثر التونسيين انفتاحًا وأقلهم محافظة بلوغ سرعة السقوط ذاك. وفي الوقت الذي استمرت خطة تجفيف ينابيعَ كل حركة احتجاجية محتملة، ديدن نظام إبن علي، و إنهاك أجهزته القمعية لإرادة الفاعلين والمناضلين في الساحة السياسية والاجتماعية والحقوقية، كان يجري اختطاف جيل بكامله وتحويل وجهته نحو تنمية وعيه بالجسد والمتعة وتسييج روحه بالقيم المتهافتة. كما كانت دعايات التجمع المنتشية بانتصار الدولة توافق هواً في نفوس قسم من التونسيين وتمنح روح المستقيلين ما يكفيهم من حجّة، لقتل ضمير الثمانينات وأنفة السبعينات وصمود الستينات.

حركة" التغيير "وتدميرالمستقبل

لم يشهد تاريخ البلاد حقبة أكثر قتامة من تلك التي حكمها نظام السابع من نوفمبر، ففي الوقت الذي لا يزال التونسيون يتباهون بأن روح هذا الشعب المبدعة قد جاءت بخير الدين باشا رجل الإصلاح والنهضة و بعهد الأمان وبأول حزب سياسي عصري في العالم العربي في 1920 بزعامة الشيخ عبد العزيز الثعالبي وكان الدستور الذي نسب الحزب إليه نفسه، أول مطالبه. كما جاء هذا الشعب بجامعة عموم العملة التونسية، أول حركة نقابية في العالم العربي و إفريقيا سنة 1924 بقيادة محمّد علي الحامي وكان شغف التونسيّون بالحريّة والحقوق السياسيّة المشروعة قد حملتهم إلى الخروج في أفريل سنة 1938 ب 100.000 متظاهر مطالبين ببرلمان تونسي مقدّمين لأجله ولأجل حريّتهم الشهداء والجرحى متحمّلين جرائه معاناة السجون والإبعاد، كما كانت ثلاثينات القرن الماضي والمرحلة التي أعقبت الحرب العالميّة الثانية إلى 1956 قد شكلت أهم الملامح الثقافية والاجتماعية للبلاد التونسيّة فأنتجت رائد الرواية التونسّية عليّ الدعاجي وشاعر الحياة أبو القاسم الشابي ورواد الأدب والفنون عامة من جماعة تحت السور وتنافست الصحف التونسيّة في رصد الوقائع وتغطية الأحداث المحليّة والإقليمية والدولية كما انبرت الجامعة الزيتونية منذ مطلع القرن إلى خمسيناته تنفخ روح المثابرة لإنعاش الحياة الثقافيّة والاجتماعية والسياسية من خلال بعث الجمعيات الثقافية والرياضية والمسرحية والخيرية والكشفية والنقابات الزيتونية للطلبة والأساتذة...ولم تتأخر الجمعيات النسائية بدورها عن الظهور، فقد استطاع الشعب التونسي برغم فقده للسيادة أن يحافظ على تماسكه الاجتماعي ويشكل هيآته الاجتماعية والثقافية والسياسية و يبني رؤاه الفكرية عبر مؤسساته التعليمية التقليدية منها والعصرية وينتج نخباً سياسية واجتماعية وثقافية ودينية لن يستطيع نظام بورقيبة بعد 1956 وبما لديه من إمكانيات مؤسسيّة أن يعيد إنتاج أجيال مماثلة لها. فقد استطاعت هذه النخب التونسية: السياسية والاجتماعية والدينية في وقت لم يكن لبورقيبة زمن "هجرته" بين ( 1945و1949) على الساحة الوطنية أي قرار وأي نفوذ، أن تجتمع ، بصفتها المستقلة أو ممثلة لأحزابها وجمعياتها وتقرر في مؤتمر ليلة القدرسنة 1946، مطالبتها لأول مرة وبصورة علنية، بالاستقلال كما تم في تلك الفترة تأسيس الإتحاد العام التونسي للشغل واتحاد الصناعة والتجارة واتحاد الفلاحين وقد جرى كل ذلك بالتنسيق مع الباي،. فلم يكن الشعب التونسي إذن، كما كان يهينه بورقيبة دائماً، حفنة تراب قبل مجيئه إلى حزب الدستور في أول الثلاثينات، ولا كان بورقيبة أول تونسي يحكم تونس منذ قرون، إذ لم تكن رحلة العائلة الطرابلسية الى تونس أسبق من رحلة العائلة الحسينيّة إليها. ولا كان بورقيبة أكثر وطنية من المنصف باي ولا كانت صورته في عيون التونسيين أكثر بريقاً منه.

وبدلا من أن تنمي الجمهورية الأولى مكاسب التونسيين الاجتماعية والمدنية و استقلال المجتمع وهيآ ته راحت تحاول، بالترغيب والترهيب، تقطع عنه شريان الحياة وتأمم ممتلكاته الخاصة فحلّت الأحباس وضربت استقلاليته الاقتصادية وصارت موارد منظمات المجتمع موكول أمرها إلى ابتزاز الدولة وأغلقت أعرق مؤسسة علمية وتعليمية في العالم الإسلامي (الجامعة الزيتونية) وأجرى معها بورقيبة باسم مُهمّات التحديث تصفية حسابات الماضي والمستقبل، وأبعد رجالها من شيوخ وطلبة عن كل مشاركة حقيقية في دورة التنمية، ولاحق رجال الأمانة العامة وتنكر لنضالاتهم وجعل من "صباط الظلام" مقابر لهم، فكان أن دشّن لإستبداد الجمهورية الأولى وأنهى تطلعات التونسيين العظيمة التي كانت قد حملتها جنبات الشرفاء من التونسيين وأسفارهم منذ عهد الأمان إلى الشباب التونسي مع علي باش حانبا. ثم هو أغرى الإتحاد العام التونسي للشغل بالتحالف معه إلى أن اخترقه ناخراً عظمه، وانقلب أبناؤه الدستوريون على الإتحاد العام التونسي للطلبة في قُُربة وزج بالقوميين واليساريين في السجون ولاحق الإسلاميين مع أول خروجهم للعمل السياسي العلني وألقى بهم المرة تلو المرة في السجون و داوم على ذلك إلى خروجه من السلطة.

لكل ذلك وغيره مما يطول استعراضه، ربما أغرت حركة السابع من نوفمبر مَن أغرت باستعدادها لإنجاز تغيير باتجاه الديمقراطية، فهل كان في الإمكان انجازتغيير حقيقي يضمن نقلةً نحو الديمقراطية وقد ورث الرجل دولة الحزب الواحد بتراث الإستبداد الذي استغرق ثلاثين سنة من الحكم؟ هل كان مقبولاً حسن الظن بدعاوى التغيير باتجاه الديمقراطية، ثم منح صاحب التغيير مهلة كان يستجديها من التونسيين أفرادًا ومنظمات وهيآت وأحزابا، وقد لا تبعد الحاجة الأمنية التي استقدمته من جهاز الأمن العسكري الى السلك السياسي، أن تكون أمٌ لاختراع أكثر الوسائل القمعية منهجية وعقلانيّة لاستئصال الضمير واغتيال الحرية وفرض أجندة العولمة عنواناً للتغيير؟ وإذا كان شعار التغيير قد أغرى من أغرى، فإن هواجس الارتياب كانت تستند الى وقائع على الأرض، تعامى عنها الأدعياء، جميعهم على حد سوى. فالرجل قضى ستة عشر عاما منذ سنة 1958 مسئولا عن الأمن العسكري ثم عن جهاز المخابرات ثم دُعي لقمع الانتفاضة العمالية سنة 1978 ثم مديراً للأمن الوطني ثم دُعيَ ثانية لقمع انتفاضة الخبز في جانفي سنة 1984 ليصبح بعدها وفي ذات السنة كاتباً للدولة لشؤون الأمن الوطني ثم وزيراً للدولة للشؤون الداخلية كما تولى بنفسه الإشراف على قمع الطلبة أيام حصار منوبة سنة 1985، لكن اليوم و منذ ثمانية عشر عاما،لا يزال نظام بن علي، يذّكر الناس بكرة وأصيلا، ويشدّد عليهم حتى لا ينسوا، أنه هو "صانع التغيير"، تلك اللحظة التي انتظر حدوثها التونسيون برحيل طبيعي للرئيس بورقيبة، وحين أبطأ رحيله إلى القبر تم ترحيله عنوة من القصر. كان التونسيون قد انتظروا منذ وقت، مجيء من يخلّص البلاد والعباد من نظام شاخت أركانه وفسدت أجهزته وخبا بريق رجاله ولم تكن اللحظة لتسنح لأحد، مثلما سنحت لبن عليّ ليكون "المخلّص".

وربما كان التونسيون على استعداد لينسوا للمخلص أي ماض يدان به لو صحّت منه النيّة وصدق منه العزم على التخليص. لاسيما وقد بدا مغرياً لعموم الناس وبعض خواصهم، ان يسمعوا من رئيسهم الجديد في زيّيه الجديد في عيدهم الجديد خطاباً جديداً، يوصي أن لا تُعلق صوره وأن لا يناد بحياته وإنما بحياة تونس، ويؤكد أن التونسيون قد بلغوا النضج الذي يجعلهم حقيقون بالديمقراطيّة. وقد أعلن نهاية عهد الفساد والمحسوبية والمحاباة وألزم نفسه سياسة تمتن انتماء تونس إلى فضائها العربي والإسلامي بدا الأمر كما لو أنّه حلم من أحلام الطفولة، وقد كان فعلاً حلماً من أحلام الطفولة السياسية لمن جرفهم الوهم، ذلك أن صانع " التغيير" سيجعل من" تغييره المبارك " ذاك فرصة لابتزازلاأخلاقي لشعب انتظر منذ سنة 1956 حياة تليق بكرامته. وشرَع الرجل فعلا في التغيير، فبدأ بشعره فصبغه وصففه وببزته فغيرها وزوجته فجاء بغيرها وباسم الحزب فأضاف إلى الديمقراطية نسبته ثم غير قانون الصحافة فألجم أقلامها وقانون الأحزاب فاستأصل شأفتها وأخرج للناس من تحت جبّته القرمزية أحزاباً تمثلهم وغيّر قانون الجمعيات فاخترقها وعطّل مهماتها ونقّح قانون الانتخابات فمَنَّ بموجبه على مُعَارضة السُخْف بنسب التشريف في البرلمان وجاء إلى الدستور فعاين قلة انضباطه لشرعيات رجل التغيير واستحقاقاته التاريخية، فضبطه ضبطاً ألغى بموجباته إرادة التونسيين وسفه أحلام نخبهم وجعل جماعَ كل أمر بيده يبسط متى شاء ويقبض. وسمح لإتحاد الطلبة أن يكون اثنان حسماً للخلاف ولإتحاد الشغل بمثله درأ للشقاقُ ثمّ مال على الإتحاد العام التونسي للطلبة فقصفه وعلى الإتحاد العام لطلبة تونس فشرّده وجاء إلى الإتحاد العام التونسي للشغل فأغرقه في التجمع الدستوري الديمقراطي غير آسف على عراقته ولا مكترث بمصير العمال الذين سيتحمّلون وحدهم نتائج العولمة وأضرار الخصخصة، كما جاء إلى التعليم ليصلحه فتدنت مستوى شهاداته وباتت الشهادات العلمية تُباع بحسب الطلب مع البضائع المهربة وسعّرت عصابات القصر شهادة التأهيل للتعليم الثانوي بثمانية ألف دينار تونسي ثم تكرمت الدولة على أولائك البؤساء بدورة ثانية لتحسين فرص نجاحهم وهي إنما في الحقيقة مناسبة أخرى لتسويق مزيد من الشهادات، وموسم جديد لعكاظيات الطرابلسية يدر عليهم مزيدا من الأموال الوسخة من جيوب بائسة ولكنها رخيصة أيضاً، وصار إلى الأئمة فأبدلهم وغيّر سحنتهم وحلق لحاهم وأملى عليهم خطبهم و أوجب له الدعاء يوم الجمعة، فأصبح الأئمة أبواق الحاكم والمساجد ملحقات الشعب الدستورية، وانتهت الدولة بإلغاء المجتمع ليصبح جزءاً من مجالها الحيوي تعيد مع كل تورط في قمع أفراده إنتاج شرعية سياساتها و مع كل تفتيت لمكونات المجتمع الحيّة الى استنساخ أخرى من جيفه الهامدة. وأفاق التونسيون بعد وقت ليدركوا أن "حامي الحمى والدين" أباح للموساد الإسرائيلي حمى البلاد ليجهزوا على ضيف التونسيين، رجل الانتفاضة الأولى، أبو جهاد، فتُقدم روحه أولى عرابين الوفاء وقرابين الإخلاص للصهيونية التي دعمت مجيئه وضخت في جيبه مالاً يلمّع به سحنته في الداخل والخارج.وليفتح البلاد للمخابرات الأمريكية قاعدة لعملياتها الإسخباراتية على بلاد المغرب العربي و أوروبا. ولا كان من جهة ثانية حاميًا للدين و قد استباح مقدساته وأحكامه ففتح الزيتونة وأغلقها ونزع حجاب المتدينة وشجع التعري و شنّ الحملات الأمنية ضد الكتب الإسلامية، وضيّق مواقيت الصلاة ومنع العلم الديني بالمساجد وأعلى من فوق المنابر ذكره، وعمّمَ رجاله ومريديه في وزارة الداخلية ومنحهم المشيخة وسمح لبعض الفسقة سنة 1993 ، نكالة في الحركة الإسلامية وأبناءها، صعود المنابر مخمورين يوم الجمعة، وهو جرم ما تجرأت المغول يوم استباحتها بغداد على فعله.

إن رسوخ قدم الاستبداد الذي عاناه التونسيون ويعانونه خلال حكم ابن عليّ، أنما أيضا يطرح المسألة من زاوية النظر في حقيقة مستوى الرشد السياسي الذي عليه المعارضة التونسية، لاسيما وأن اللوم قد لا يخطأها حتى ولو بلغ القول بتوفيرها لبن عليّ أرضية أقام عليها قواعد استبداده أو أنها هيأت له بقصد أوبدونه "مداخل وطنية" مرت عبرها فلول الاستخبارات الأمريكية ونَشطَت خلالها الجماعات الصهيونية. فهل أدركت قيادات الحركة الإسلامية أن بسط اليد لرجل هكذا تاريخه دون مساءلته أولاً ومطالبته بضمانات حقيقية ثانية، لايعني غير بسط الرقبة للقطع ؟ وهل أدركت قيادات اليسار ورموزها أنّ التخفي وراء ضآلة أحجامهم السياسية وهلامية أجسامها ميدانياً، لإعلان رفضها لرجل "التغيير" لن يعبأ به أحدٌ إن كانت سهامها منذ " التغيير" لا تُخطأ الإسلاميين؟ وهل أدركت قيادات الديمقراطيين الاشتراكيين أن المناورة من أجل السلطة إن لم تحملهم على (أن يكونوا معارضة إلى الأبد)، فأبداً ستنخر المعارضات والانشقاقات القاتلة كيانهم حدّ التشرذم؟ وهل أدرك التونسيون الموالون لصانع التغيير ممن منحوه صوتهم والتونسيون من غير الموالين ممن منحوه صمتهم أن للتاريخ سنن تقول: من أعان ظالماً سلطه الله/التاريخ عليه. ..؟

هل أدرك الأطراف جميعهم أيضاً، أن التخلي عن الحركة الإسلامية المناضلة، ولم يكن أحد قد دفع حساب الاضطهاد والاستبداد قدر ما دفعت، إنما يكون قد أصاب في مقتل دفاعات المجتمع المدني ضد استأساد الدولة وأجهزتها القمعية؟ هل تدرك الحركة الإسلامية بدورها اليوم أنّها رتبت مواقفها إزاء الدولة من منظور لا يضع المجتمع وحمايته ضمن أولوياتها، وأنها قد تكون أكثر رسوخاً داخل المجتمع وأكثر أحلافاً لو أنّها افتدت لأجل الحريات الأساسية ما افتدت به لأجل السياسة.

وبناءاً عليه أما كان يمكن وقتها أن تفكر المعارضة، كل المعارضة، أن أيّ تغيير حقيقيّ مُحَال دون أن نرى يقيناً تغييرات بنيوية لجملة أجهزة الدولة وهياكلها وما تقتضيه من فصل بين السلطات وتقنين لعلاقة الدولة بالحزب الحاكم وبسائر أحزاب المعارضة ومكونات المجتمع المدني عامة وإبرام اتفاق شراكة سياسية حقيقية حول برنامج للمرحلة الانتقالية على أن لا يُمنَح أحدٌ الثقة قبل أن تتأهل الدولة والمجتمع لإرساء ديمقراطية تطمئن الأطراف جميعها إلى أنّها غير مفخخة ؟

وإذا كانت مسألة الشرعية التي تُنسب لنظام ابن علي، قد بان تهافتها في معرض توصيف الحالة في سياقيْها التاريخي والسياسي، فإن بنية النظام التكوينية ذات الطبيعة الأمنية وما تنتجه من علاقات بمكوناته الوظائفية الرديفة، محكومة بافتقارها إلى قابلية التجديد من الداخل وبالتالي فهي آيلة إلى التداعي الحر فيما لو بلغت مُراكمة التناقضات حدودها القصوى. غير أن لحظة السقوط تلك، لو حدثت قريبا، ولا يَستَبعدُ حصيفٌ قُربَ حدوثها، ربما فاجأت المعارضة وهي في عدة طلاقها مع الواقع، فلا هي استوفت شروط البديل السياسي ولاهي رسّخت تقاليد للحوار الديموقراطي فيما بينها، تُعدُ في مناخه ما يمكن أن يكون مستقبلاً بمثابة البديل السياسي بمواصفاته الوطنية.لاسيما وأن اللاعبون الدوليون بعد حرب الخليج الأولى صار لهم في تشكيل البدائل الوطنية دور المشارك الفاعل ولهم في تَركَات الأنظمة الديكتاتورية منابات متساوية مع المعارضة الوطنية الوريثة، ومن هنا ستكون وطنية المعارضة التونسية من زاوية النظر في قضايا الداخل والخارج في مثل الظروف الدولية الجديدة مع التنادي للتغيير والإصلاح موضوعة تحت المراصد الوطنية المناضلة، وسيكون الأمر على ذات الدرجة من الأهمية فيما لو سعت بعض المعارضات إلى البحث عن مصالحة تسميها وطنية تحت أي ذريعة، فتستجيب لمشاريع الديمقراطية المؤجلة أو المجزأة فيما هي لن تكون قد فعلت غير مسح مدية النظام قبل الذبح وبعده، ثم تقبيل شاربيه.

لذلك فان رصيد الإسبداد وجودة عمليات التخريب المنظّمة للماضي وبراعة التدمير المنهجي لكل أفق المستقبل. يجعل من أي طرف سياسي، كان من هو كائن، لو وجد في أي مصالحة خيراً عميماً فسيتوجّب عليه الإجابة عمّا إذا كانت تلك المصالحة تنهي الظلم والاستبداد المنظّم أم هي تأسس عليه؟ تفكك آلة القمع و منظومة الأمن المخترقة أم تعيدُ شحذه وتوضيبها؟ تعيد للدستور سيادته وللقانون مهابته وللمؤسسات موقعها ولمكونات المجتمع المدني حيويته وللإنسان حقوقه وللتراب حرمته أم ستأجل الإصلاحات وتجعلها رهانات العشريات القادمة؟ تعيد المظالم والممتلكات إلى أصحابها أم تطلق يدها مع المغتصبين بالمناصفة؟ تدع أثرياء "التغيير" ينعمون بما نهبوا أم تنتزع منهم ثروات البلاد وتعيد إليهم أكشاكهم و بسطاتهم بأسواق الانتصاب؟ تقاضي من كان قد امتهن كرامة التونسيين وقتل أبناءهم تحت التعذيب وأبّدهم في السجون والمنافي أم تَتَمَشْيَخُ بالقول من تاب تاب الله عليه؟ تعيد النظر في ولائها السياسي للقضايا العربية والإسلامية حقيقة أم تجاهر بالتطبيع مع الكيان الصهيوني وتفتح له مقرأً وتعلي له راية، لتستجديَ العون وتفوز بشهادة براءة المعجزة الثانية بعد الإنقاذ؟

إن مواجهة هذه الأسئلة وفي لحظات لم نعد فيها بعيدين عن بدء منازعة نظام ابن علي لسر الحياة، ستكون وغيرها بمثابة المعايير، نقايس إن تاهت عنا المقاييس، مستقبليات البدائل السياسية. ونرصد إن ضاعت عنا المراصد خيارات الخلفاء. وعليه فمصالحة أي طرف معارض للنظام مهما علا شأنه بين المعارضة وأياً كان حجمه وتضحياته ولو كان ممن غازل النظامُ بعضَ قياداته لمقايضة الملف الإنساني لأبنائه في السجون والمنافي بأطروحات المصالحة والتسوية، فإن شرعيته لن تمكنه من القفز إلي سدة الحكم هذه المرة دون أن يواجه بتلك الأسئلة بما هي في تونس اليوم، حقائق الأرض والوطن والإنسان والانتماء ولكن بوصفها أيضاً زاوية التحديات القصوى، التي سيكون نظام ابن عليّ حياً و ميتاً، قد حشر فيها المعارضة للاختبار.

محمد الفاضل ،

بنزرت في 23.09.2005